الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

244

مناهل العرفان في علوم القرآن

في واقعة اليمامة ) فإذا عمر بن الخطاب عنده . قال أبو بكر رضى اللّه عنه : « إن عمر أتاني فقال : إنّ القتل قد استحرّ ( أي اشتدّ ) يوم اليمامة بقرّاء القرآن ، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن . قلت لعمر : كيف نفعل ما لم يفعله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ قال عمر : هذا واللّه خير ، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح اللّه صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر . قال زيد : قال أبو بكر : إنّك رجل شابّ عاقل لانتهمك ، وقد كنت تكتب الوحي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فتتبّع القرآن فاجمعه . فو اللّه لو كلفوني نقل جبل من الجبال ، ما كان أثقل على ممّا أمرني به من جمع القرآن ! قلت : كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ قال : هو واللّه خير فلم يزل أبو بكر يراجعني ، حتى شرح اللّه صدري للّذى شرح له صدر أبى بكر وعمر . فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرّجال ، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصارىّ لم أجدها مع أحد غيره « لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ » حتى خاتمة براءة . فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفّاه اللّه ، ثم عند عمر حياته ، ثم عند حفصة بنت عمر » ا ه . فهذا الحديث - كما ترى - يدلّ على مبلغ اهتمام كبار الصحابة بالمحافظة على القرآن وعلى مبلغ ثقة أبى بكر وعمر بزيد بن ثابت ، وعلى جدارة زيد بهذه الثقة لتوافر تلك المناقب التي ذكرها فيه أبو بكر . ويؤيد ورعه ودينه وأمانته قوله : « فو اللّه لو كلّفونى نقل جبل من الجبال ، ما كان أثقل علىّ ممّا أمرني به من جمع القرآن » . ويشهد بوفرة عقله تردّده وتوقفه أول الأمر ومناقشته لأبى بكر حتى راجعه أبو بكر وأقنعه بوجه الصواب . وينطق بدقّة تحرّيه قوله : « فتتبّعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرّجال » ا ه . رضى اللّه عنه وأرضاه ، ورضى عنهم وعنا أجمعين .